السيد كمال الحيدري
104
اللباب في تفسير الكتاب
رابعاً : إنّ اتّصاف الآيات بكونها ذات تأويل من قبيل الوصف بحال المتعلّق . أمّا إطلاق التأويل وإرادة المعنى المخالف لظاهر اللفظ ، فاستعمال محدث نشأ بعد نزول القرآن ، لا دليل أصلًا على كونه هو المراد من التأويل في القرآن ، كما لا دليل على أكثر المعاني المذكورة للتأويل في المفصّلات « 1 » . دور اتّباع المتشابه وابتغاء التأويل في الانحرافات الفكريّة والعقديّة لو تتبّعنا أصحاب النظريّات والآراء التي انحرفت عن الصراط المستقيم بعد زمن النبىّ صلّى الله عليه وآله ، لوجدنا أنّ أكثر مواردها إنّما نشأ من اتّباع المتشابه وابتغاء التأويل ، بل نجد أنّ ذلك صار مسلكاً عامّاً في كثير من الأحيان . ففرقة تتمسّك من القرآن بآيات للتجسيم ، وأخرى للجبر ، وأخرى للتفويض ، وأخرى لعثرة الأنبياء ، وأخرى للتنزيه المحض بنفي الصفات ، وأخرى للتشبيه الخالص وزيادة الصفات ، إلى غير ذلك ، كلّ ذلك اتّباعاً للمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم الحاكم فيه . وطائفة ذكرت أنّ الأحكام الدينيّة إنّما شرّعت لتكون طريقاً إلى الوصول ، فلو كان هناك طريق أقرب منها ، كان سلوكه متعيّناً لمن ركبه ، فإنّما المطلوب هو الوصول إلى الغاية بأىّ طريق اتّفق وتيسّر ، وأخرى قالت إنّ التكليف إنّما هو لبلوغ الكمال ، ولا معنى لبقائه بعد الكمال بتحقّق الوصول فلا تكليف لكامل . وقد كانت الأحكام والفرائض والحدود وسائر السياسات الإسلاميّة قائمة ومُقامة في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يشذّ منها شاذّ ، ثمّ لم تزل بعد
--> ( 1 ) ينظر أصول التفسير والتأويل ، السيّد كمال الحيدري : ص 356 293 .